الشيخ السبحاني
309
سيد المرسلين
« عبد اللّه بن أبي » المنافق المفتّن « 1 » ( 1 ) صراع بين الايمان والعاطفة : كان عبد اللّه ابن « عبد اللّه بن أبي » من فتيان الإسلام الشجعان ، ومن فرسانه البواسل ، وكان - كما تقتضيه تعاليم الإسلام - يبر بأبيه المنافق أكثر من غيره ، ولكنه عندما عرف بما تفوّه به أبوه في شأن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وظن أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله سيقتل أباه جاء إلى النبي صلّى اللّه عليه وآله وقال : يا رسول اللّه انه قد بلغني أنك تريد قتل « عبد اللّه بن أبي » ، فيما بلغك عنه فإن كنت لا بدّ فاعلا فمرني به فانا أحمل إليك رأسه ، فو اللّه لقد علمت الخزرج ما كان لها من رجل أبرّ بوالده مني ، وإني أخشى أن تأمر به غيري ، فيقتله فلا تدعني نفسي انظر إلى قاتل عبد اللّه بن أبي يمشي في الناس فاقتله ، فأقتل ( رجلا ) مؤمنا بكافر فأدخل النار ! ! ( 2 ) إن حديث هذا الفتى يعكس - في الحقيقة - أعظم تجليات الإيمان وآثاره في النفس ، والروح الانسانية . لما ذا لم يطلب من النبي صلّى اللّه عليه وآله أن يعفو عن أبيه ؟ ! لأنّه كان يعلم أن ما يفعله رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله إنما هو بأمر اللّه تعالى ، ولكن ابن عبد اللّه كان يرى نفسه في صراع روحيّ حادّ . فمن جانب كانت تدعوه عواطف البنوة والابوّة والأخلاق العربيّة أن ينتقم ممّن يقتل أباه ، ويسفك بالتالي دم مسلم . ومن جانب آخر توجب عوامل أخرى مثل ضرورة استتباب الأمن والطمأنينة في البيئة الاسلامية أن يقتل رأس المنافقين « ابن أبي » ، انه صورة من صور الصراع بين مقتضى الايمان ، ومقتضى العاطفة .
--> ( 1 ) تاريخ الطبري : ج 2 ص 261 و 262 ، مجمع البيان : ج 10 ص 292 - 295 .